عبد الكريم الخطيب
67
التفسير القرآنى للقرآن
وسنرى في قصة آدم ، التي نحن بصددها ، أنها تسبق ما يقرره « داروين » في نظرياته ، عن التطور وأصل الأنواع ! ونعود إلى تلك القصة ، فنقول : ربما رأى بعض علمائنا أن في قوله تعالى : « إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ، فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ » ، وفيما جاء من الآيات التي تحدّث عن دعوة اللّه سبحانه وتعالى الملائكة أن يسجدوا لآدم ، عندما ينفخ فيه الحق جل وعلا من روحه - قد يرى بعض علمائنا أن في هذا ما يدل على أن آدم قد انفرد بخلق خاص ، دون سائر المخلوقات الأرضية ، وأنه لهذا استحق التكريم والاحتفاء ! ونقول : إن ما ورد في الآية السابقة وأمثالها ، إن دلّ على خصّيصة لآدم ، فإنه لا ينفى أن يكون ذلك قد كان حين وصل تطور الحياة بالأحياء إلى هذه المرحلة ، التي بلغ فيها التطور غايته ، بظهور هذه السلالة الناضجة من ثمرات الحياة ، وبزوغ أول مواليد النوع الإنسانى . . ويكون معنى قوله تعالى : « إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ، فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ » أنه إذا بلغ الكتاب أجله بهذا الطين ، الذي سرت فيه الحياة ، وتوالدت منه الأحياء ، إلى أن آذنت في تطورها بظهور النوع البشرى الذي تهيأ لقبول النفخة الإلهية فيه - « فقعوا له ساجدين » إذا هو تلقى النفخة من روح الحق جلّ وعلا ، وتكون تلك النفخة هي منحة السماء للأرض ، في يوم ميلادها لمولودها الذي يدبّر أمرها ، ويكون خليفة اللّه عليها . ولعل في قوله تعالى : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ » لعل في هذا ما يشعر بالمعنى الذي ذهبنا إليه ، وهو أن آدم لم يجئ من الطين مباشرة ، وإنما كان ذلك بعد سلسلة طويلة من التطورات ، وبعد عمليات